النفط يرتفع وسط ترقب قمة شي وترامب ومخاوف من اضطراب الإمدادات واستمرار أزمة مضيق هرمز العالمية

عادت أسعار النفط إلى الارتفاع خلال تعاملات يوم الخميس في ظل حالة ترقب عالمية لاجتماع القمة الذي يجمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في العاصمة الصينية بكين، وسط آمال بأن تسهم المحادثات في إحراز تقدم سياسي قد يؤدي إلى تهدئة التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الإيرانية، وإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة العالمية.

 

ويأتي هذا التحرك في وقت تواجه فيه سوق النفط واحدة من أكثر الفترات حساسية منذ سنوات، مع استمرار إغلاق مضيق هرمز جزئياً، وتصاعد المخاوف بشأن نقص الإمدادات العالمية، إلى جانب الضغوط التضخمية التي تفرضها أسعار الطاقة المرتفعة على الاقتصادات الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا والصين.

ارتفاع أسعار النفط مع ترقب نتائج القمة الأمريكية الصينية

شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً خلال التداولات الآسيوية المبكرة اليوم الخميس، حيث ركز المستثمرون اهتمامهم على القمة التي تجمع واشنطن وبكين، والتي يُنظر إليها باعتبارها حدثاً محورياً قد يعيد رسم ملامح التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.

 

وبحسب بيانات التداول، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 45 سنتاً، أي بنسبة 0.43%، لتصل إلى 106.08 دولارات للبرميل، في حين صعدت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 41 سنتاً أو ما يعادل 0.41% لتسجل 101.43 دولار للبرميل.

 

ويعكس هذا الصعود حالة الحذر التي تسيطر على الأسواق، حيث يترقب المستثمرون ما إذا كانت القمة بين أكبر اقتصادين في العالم ستقود إلى تفاهمات تتعلق بالحرب الدائرة مع إيران، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على حركة التجارة والطاقة العالمية.

الحرب على إيران تضغط على أسواق الطاقة

تواصل الحرب المرتبطة بإيران إحداث اضطرابات عميقة في سوق النفط العالمية، خاصة بعد تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز في العالم.

 

ويمثل المضيق شرياناً حيوياً لتدفقات الطاقة، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط القادمة من منطقة الخليج العربي نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية والأمريكية.

 

ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، أصبحت حركة الملاحة في المضيق محدودة للغاية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وزيادة المخاوف من نقص الإمدادات.

 

ويرى مراقبون أن أي تقدم سياسي بشأن إعادة فتح المضيق قد يسهم في تهدئة أسعار النفط وتقليص علاوة المخاطر الجيوسياسية التي أضيفت إلى الأسعار خلال الأشهر الماضية.

ترامب يسعى لدور صيني في الضغط على طهران

تشير التوقعات السياسية إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيحاول خلال لقائه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ دفع بكين إلى لعب دور أكثر تأثيراً في الضغط على إيران من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع الحالي.

 

غير أن العديد من المحللين يشككون في استعداد الصين للضغط بقوة على إيران، التي تُعتبر شريكاً استراتيجياً مهماً لبكين في مجالات الطاقة والتجارة والجغرافيا السياسية.

 

وتعتمد الصين بشكل كبير على واردات النفط القادمة من الشرق الأوسط، كما ترتبط مع إيران بمشاريع اقتصادية واستثمارية ضخمة ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، ما يجعل موقف بكين شديد الحساسية في التعامل مع الأزمة.

قمة بكين.. رسائل إيجابية وتحذيرات سياسية

في مستهل القمة التي تستمر يومين، أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ أن المحادثات التجارية مع الولايات المتحدة تحقق تقدماً، لكنه في الوقت نفسه حذر من أن الخلافات المتعلقة بقضية تايوان قد تدفع العلاقات الثنائية إلى “مسار خطير”.

 

وتعكس هذه التصريحات محاولة صينية للحفاظ على توازن دقيق بين الانفتاح الاقتصادي وتأكيد الثوابت السياسية والاستراتيجية لبكين.

 

كما مهدت تصريحات شي الطريق أمام القمة التي وصفها ترامب بأنها قد تكون “أكبر قمة على الإطلاق”، خاصة بعد مراسم الاستقبال الرسمية الضخمة التي أُقيمت للرئيس الأمريكي في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة الصينية.

 

ويرى خبراء أن نتائج هذه القمة لن تؤثر فقط على العلاقات التجارية بين البلدين، بل قد تمتد تداعياتها إلى أسواق المال والطاقة والعملات والسلع العالمية.

تراجع النفط في الجلسة السابقة بسبب مخاوف التضخم

ورغم ارتفاع الأسعار اليوم، فإن الأسواق كانت قد تعرضت لضغوط قوية خلال جلسة الأربعاء، حيث انخفضت أسعار النفط بأكثر من دولارين للبرميل بعد تنامي القلق بشأن احتمالات رفع أسعار الفائدة الأمريكية.

 

ويخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الوقود والطاقة إلى زيادة معدلات التضخم، الأمر الذي قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تبني سياسة نقدية أكثر تشدداً عبر رفع أسعار الفائدة لفترة أطول.

 

وعادة ما تؤثر أسعار الفائدة المرتفعة سلباً على النمو الاقتصادي والطلب على الطاقة، ما يفسر التذبذب الحاد الذي تشهده أسواق النفط خلال الفترة الحالية.

الأسواق تراهن على اختراق سياسي بشأن مضيق هرمز

أشار محللو مؤسسة ING Group إلى أن أسواق النفط تعيش حالة “ترقب وانتظار”، موضحين أن المستثمرين يعلقون آمالاً كبيرة على إمكانية خروج المحادثات الأمريكية الصينية بنتائج إيجابية تساعد في إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز مجدداً.

 

وفي المقابل، حذر محلل الأسواق توني سيكامور من أن فشل المحادثات في تحقيق تقدم ملموس قد يدفع الولايات المتحدة إلى العودة للخيار العسكري، خاصة إذا استمر تعطل الملاحة البحرية في المضيق.

 

ويشير ذلك إلى أن الأسواق باتت شديدة الحساسية تجاه أي تطورات سياسية أو عسكرية، مع ارتفاع مستوى المخاطر الجيوسياسية إلى مستويات غير مسبوقة.

إيران تعزز نفوذها في مضيق هرمز

في تطور لافت، عززت إيران من حضورها الإقليمي في محيط مضيق هرمز عبر إبرام اتفاقات مع العراق وباكستان لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال من المنطقة، في خطوة تُفسر على أنها محاولة لإعادة ترتيب خطوط الإمداد وتجاوز آثار الحرب.

 

كما عبرت ناقلة نفط صينية عملاقة تحمل مليوني برميل من الخام العراقي مضيق هرمز أمس الأربعاء، بعد أن ظلت عالقة في الخليج لأكثر من شهرين بسبب الصراع، لتصبح ثالث ناقلة فقط تنجح في مغادرة المضيق منذ بداية الحرب.

 

ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مؤشراً مهماً على وجود محاولات تدريجية لاستئناف حركة الشحن البحري، لكنها لا تزال محدودة وغير كافية لإعادة الاستقرار الكامل إلى الأسواق.

وكالة الطاقة الدولية تحذر من عجز في الإمدادات

زاد تقرير International Energy Agency الأخير من حدة المخاوف في السوق، بعدما أكدت الوكالة أن إمدادات النفط العالمية لن تكون كافية لتلبية الطلب الكلي خلال العام الجاري.

 

وأشارت الوكالة إلى أن تراجع إنتاج النفط في الشرق الأوسط، إلى جانب السحب المتسارع من المخزونات العالمية، أدى إلى تغير جذري في توقعات السوق، بعدما كانت التقديرات السابقة تشير إلى وجود فائض في المعروض.

 

ويعكس هذا التحول حجم التأثير الذي أحدثته الحرب على التوازنات النفطية العالمية، كما يعزز احتمالات استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة.

التداعيات الاقتصادية العالمية لارتفاع النفط

يحمل استمرار ارتفاع أسعار النفط تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، إذ يؤدي إلى:

  • زيادة معدلات التضخم العالمية.
  • ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج الصناعي.
  • تباطؤ النمو الاقتصادي في الاقتصادات المستوردة للطاقة.
  • زيادة الضغوط على البنوك المركزية للاستمرار في رفع أسعار الفائدة.
  • ارتفاع تكاليف المعيشة للمستهلكين.

كما أن استمرار الأزمة الجيوسياسية قد يؤدي إلى اضطرابات أوسع في سلاسل التوريد العالمية، خصوصاً في آسيا وأوروبا.

مستقبل أسعار النفط.. بين السياسة والمخاطر الجيوسياسية

تبدو أسعار النفط في المرحلة الحالية رهينة للتطورات السياسية والعسكرية أكثر من ارتباطها بالعوامل التقليدية للعرض والطلب.

 

ففي حال نجاح القمة الأمريكية الصينية في تحقيق اختراق سياسي يخفف التوترات المرتبطة بإيران ويؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز، قد تتراجع الأسعار تدريجياً مع عودة الإمدادات إلى طبيعتها.

 

أما في حال فشل المحادثات واستمرار التصعيد العسكري، فقد تواجه الأسواق موجة جديدة من الارتفاعات الحادة، خاصة في ظل هشاشة الإمدادات العالمية وتراجع المخزونات الاستراتيجية.

 

خاتمة

تكشف التحركات الحالية في سوق النفط عن حجم الترابط العميق بين السياسة والاقتصاد والطاقة في العالم المعاصر. فالقمة المرتقبة بين الولايات المتحدة والصين لا تمثل مجرد لقاء دبلوماسي بين قوتين عظميين، بل تُعد محطة مفصلية قد تحدد اتجاهات أسواق الطاقة العالمية خلال الفترة المقبلة.

 

وفي ظل استمرار الحرب على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، وتراجع الإمدادات العالمية، تبقى أسعار النفط عرضة لتقلبات حادة مدفوعة بالمخاطر الجيوسياسية، بينما يترقب المستثمرون أي مؤشرات قد تعيد الاستقرار إلى واحدة من أكثر الأسواق حساسية وتأثيراً على الاقتصاد العالمي.

تم التحديث في: الخميس, 14 أيّار 2026 11:52
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول