الين الياباني يواصل تراجعه أمام الدولار الأمريكي ليسجل أضعف مستوياته منذ عام 1986

تفاقمت الضغوط على الين الياباني بعدما هبط إلى ما دون مستوى 163 يناً أمام الدولار للمرة الأولى منذ عام 1986، ليواصل مساره التراجعي ويضع عزم السلطات اليابانية على التدخل في سوق الصرف أمام اختبار جديد.

 

ويأتي هذا الهبوط في ظل مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها ارتفاع العملة الأميركية وعوائد سندات الخزانة الأميركية، وصعود أسعار النفط نتيجة تجدد التوترات في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب استمرار الفوارق الواسعة في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة.

أداء الين الياباني أمام الدولار اليوم

تراجعت العملة اليابانية بنسبة 0.5% لتصل إلى 163.30 يناً مقابل الدولار، بالتزامن مع ارتفاع العملة الأميركية وعوائد سندات الخزانة الأميركية.

 

وجاءت هذه التحركات بعدما أدى تجدد التوترات في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران إلى ارتفاع أسعار النفط، الأمر الذي زاد الضغوط الواقعة على الاقتصاد الياباني والين، نظراً لاعتماد اليابان الكبير على واردات الطاقة.

 

وفي وقت لاحق، جرى تداول الين دون تغير يُذكر عند مستوى 163.12 مقابل الدولار الأمريكي ، في تمام الساعة 14:30 بتوقيت تركيا.

وزيرة المالية اليابانية تلوّح باتخاذ «خطوات جريئة»

تزامن تراجع الين مع تجديد وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما تأكيدها أن السلطات تستطيع اتخاذ «خطوات جريئة» في أي وقت عند الحاجة.

 

وتُبرز هذه التحركات كيف تواصل التوترات الجيوسياسية، وتوقعات الوضع المالي في اليابان، والفوارق الواسعة في أسعار الفائدة، تقويض الجهود الحكومية الرامية إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة اليابانية.

 

وكانت كاتاياما قد استخدمت خلال الأسبوع الماضي أقوى لهجة لها منذ أسابيع للتحذير من احتمال تدخل السلطات بصورة مباشرة في سوق العملات.

تدخلات بقيمة 11.73 تريليون ين لم توقف تراجع العملة

أنفقت السلطات اليابانية نحو 11.73 تريليون ين، بما يعادل 71.9 مليار دولار، للتدخل في سوق الصرف خلال الفترة الممتدة بين 28 أبريل و27 مايو.

 

ورغم ضخ هذه المبالغ الكبيرة، لا يزال الين يتداول عند أضعف مستوياته في أربعة عقود، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة التدخلات الرسمية المنفردة على عكس اتجاه العملة بصورة مستدامة.

 

ويشير استمرار ضعف الين إلى أن العوامل الاقتصادية والمالية المؤثرة في السوق قد تكون أقوى من التدخلات المباشرة، خصوصاً مع استمرار قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأميركية.

أسعار النفط والفائدة الأميركية تعززان الضغوط على الين

قال كايل رودا، المحلل لدى «كابيتال دوت كوم»إن ارتفاع أسعار النفط، واحتمال رفع أسعار الفائدة الأميركية، وظروف السياسات المالية والنقدية التحفيزية في اليابان، جميعها عوامل تغذي الاتجاه الهبوطي للعملة اليابانية.

 

وأوضح رودا أن هذا الاتجاه من غير المرجح أن ينتهي دون إجراء تصحيح جوهري للمسار من جانب السلطات اليابانية.

 

وأضاف أن الأسواق ستظل، نتيجة لهذه الظروف، تترقب احتمال تنفيذ تدخل رسمي جديد لدعم الين والحد من تراجعه المتواصل.

المتداولون قد يستغلون التدخل لبيع الين مجدداً

من جانبه، قال مارك كرانفيلد، استراتيجي الأسواق في «بلومبرغ»، إن صعود زوج الدولار مقابل الين اكتسب زخماً خاصاً به.

 

ويرى كرانفيلد أن المتداولين قد يتعاملون مع أي تدخل رسمي في سوق العملات باعتباره فرصة لإعادة بناء المراكز البيعية للين، بدلاً من التخلي نهائياً عن هذا النوع من التداولات.

 

ويعني ذلك أن تدخل السلطات قد يؤدي إلى ارتفاع مؤقت في قيمة الين، لكن المتعاملين قد يستغلون هذا التحسن لإعادة بيع العملة اليابانية والمراهنة على استئناف تراجعها.

تحذيرات التدخل تفقد تأثيرها التقليدي في الأسواق

هدد المسؤولون اليابانيون مرات عديدة باتخاذ إجراءات حاسمة للتعامل مع التحركات المفرطة في سوق الصرف، إلا أن عدم تنفيذ تلك التهديدات بقوة جعل تأثيرها في الأسواق أقل وضوحاً.

 

وبحسب كرانفيلد، لم تعد تحذيرات المسؤولين اليابانيين بشأن التدخل تؤدي إلى موجات بيع تلقائية للدولار، كما كانت تفعل في السابق.

 

ويعكس ذلك تراجع ثقة المتداولين في قدرة التصريحات الرسمية وحدها على تغيير اتجاه زوج الدولار مقابل الين، خصوصاً في غياب تحولات جوهرية في السياسات النقدية أو تدفقات رؤوس الأموال.

ما الإجراءات القادرة على تغيير مسار الين؟

يرى كرانفيلد أن تغيير اتجاه العملة اليابانية في المرحلة الحالية قد يتطلب اتخاذ إجراءات أكثر تأثيراً من مجرد التدخل التقليدي في سوق الصرف.

 

ومن بين الإجراءات المحتملة إقناع صندوق استثمار معاشات التقاعد الحكومي الياباني بإعادة الأموال إلى الداخل، بما يعزز الطلب على الأصول المحلية والين الياباني.

 

كما يمكن أن يسهم حدوث انخفاض مفاجئ في عوائد السندات الأميركية في القضاء على صفقات تجارة الفائدة، التي تعتمد على الاقتراض بالعملات منخفضة العائد، ومن بينها الين، والاستثمار في أصول ذات عائد أعلى.

 

إلا أن كرانفيلد يرى أن سيناريو الانخفاض المفاجئ في عوائد السندات الأميركية لا يبدو وشيكاً، في ظل ارتفاع أسعار النفط واستمرار المخاطر المرتبطة بالتضخم.

ارتفاع أسعار النفط واتساع العجز التجاري الياباني

اتسع العجز التجاري الياباني على نحو غير متوقع خلال يونيو، بعدما أدى ضعف الين إلى تضخيم قيمة واردات البلاد.

 

كما رفعت الحرب في إيران أسعار النفط بصورة أكبر، ما زاد تكلفة واردات الطاقة اليابانية وفاقم الضغوط على الميزان التجاري.

 

ويمثل ارتفاع أسعار النفط عاملاً سلبياً مهماً بالنسبة إلى اليابان، إذ يؤدي إلى زيادة قيمة الواردات بالدولار، وبالتالي ارتفاع الطلب على العملة الأميركية مقابل الين.

المستثمرون يتجاهلون قرارات يفترض أن تدعم العملة

تجاهل المستثمرون إلى حد كبير سلسلة من قرارات السياسة النقدية والاقتصادية التي كان من المفترض، من الناحية النظرية، أن تقدم دعماً للعملة اليابانية.

 

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، وافق مجلس الوزراء الياباني على خطة للسياسة الاقتصادية والمالية تضمنت هامشاً ينص على ترك القرارات المحددة المتعلقة بالسياسة النقدية لبنك اليابان، مع احترام استقلاليته.

 

ونُظر إلى هذه الخطوة على أنها قد تسهم في تخفيف المخاوف من أن تؤدي الضغوط السياسية إلى تأخير رفع أسعار الفائدة اليابانية مرة أخرى.

مقترحات لتشجيع الاستثمارات المحلية

طرح المسؤولون اليابانيون مجموعة من المقترحات الهادفة إلى تشجيع المزيد من الاستثمارات المحلية وإعادة توجيه جزء من رؤوس الأموال إلى داخل البلاد.

 

وشملت هذه المقترحات مطالبة صندوق استثمار أموال التقاعد الحكومي بمراجعة طريقة توزيع أصوله.

 

كما تضمنت المقترحات النظر في السماح بإدراج السندات الحكومية اليابانية ضمن حسابات «نيسا» (NISA) المعفاة من الضرائب، بما قد يشجع المستثمرين الأفراد على زيادة حيازاتهم من السندات والأصول المحلية.

تأثير محدود للإجراءات على المدى القريب

رغم أن هذه الإجراءات قد تدعم الين بمرور الوقت من خلال تشجيع إعادة الأموال إلى الداخل، يرى كثير من المستثمرين أنها لن تكون كافية لتعويض الضغوط المعاكسة التي تواجه العملة على المدى القريب.

 

وتتمثل أبرز هذه الضغوط في اتساع فروق أسعار الفائدة، وارتفاع أسعار النفط، وقوة الدولار، واستمرار السياسة النقدية التحفيزية في اليابان.

 

كما أكدت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما أنها لا تملك صلاحية التدخل في القرارات الاستثمارية لصندوق استثمار أموال التقاعد الحكومي.

صندوق التقاعد ملزم بخدمة مصالح المستفيدين

بموجب القانون الياباني، يجب على صندوق استثمار معاشات التقاعد الحكومي إدارة أصوله بما يخدم مصالح المستفيدين من المعاشات فقط، وليس بهدف دعم سياسات الحكومة أو التأثير في سعر صرف الين.

 

ويحد هذا الإطار القانوني من قدرة الحكومة على استخدام الصندوق بصورة مباشرة بوصفه أداة لدعم العملة أو إعادة توجيه التدفقات المالية وفقاً لأهداف السياسة الاقتصادية.

 

وفي الوقت نفسه، يرى بعض الاستراتيجيين أن الوتيرة التدريجية التي يتراجع بها الين تُخفف من إلحاح الحاجة إلى تدخل مباشر في سوق الصرف.

مستوى 165 قد يصبح الهدف التالي للأسواق

قال رينتو ماروياما، كبير استراتيجي العملات وأسعار الفائدة لدى شركة «إس إم بي سي نيكّو سيكيوريتيز» (SMBC Nikko Securities)، إنه رغم تجاوز زوج الدولار مقابل الين مستوى 163، فإن هذه الحركة جاءت بصورة تدريجية للغاية.

 

وأضاف ماروياما أن السيناريو الأساسي لديه لا يزال يتمثل في امتناع السلطات اليابانية عن التدخل في سوق العملات.

 

وأشار إلى أنه في حال عدم حدوث أي تدخل رسمي، فمن المرجح أن يصبح مستوى 165 يناً مقابل الدولار المستوى الرئيسي التالي الذي ستركز عليه الأسواق.

 

خاتمة

يواجه الين الياباني مرحلة شديدة الحساسية بعدما انخفض إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود، متأثراً بقوة الدولار، وارتفاع عوائد السندات الأميركية، وصعود أسعار النفط، واتساع العجز التجاري الياباني، واستمرار الفوارق الكبيرة في أسعار الفائدة.

 

ورغم تصاعد تحذيرات السلطات اليابانية وإعلان استعدادها لاتخاذ خطوات جريئة، فإن الأسواق تبدو أقل استجابة للتصريحات الرسمية مقارنة بالمراحل السابقة، وسط اعتقاد بأن أي تدخل مباشر قد يوفر دعماً مؤقتاً فقط للعملة.

 

وفي ظل غياب تحول جوهري في السياسة النقدية أو انخفاض حاد في عوائد السندات الأميركية، قد يبقى الين تحت الضغط، بينما يتحول مستوى 165 مقابل الدولار إلى المحطة التالية التي يراقبها المستثمرون والمتداولون عن كثب.

تم التحديث في: الأربعاء, 22 تموز 2026 14:41
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول