الدولار الأميركي ينتعش من أدنى مستوى في شهرين وسط ترقب بيانات التضخم وصعود النفط
انتعش الدولار الأميركي بشكل هامشي من أدنى مستوياته في شهرين مقابل العملات الرئيسية، مستفيداً من صلابة أسعار النفط واستمرار حالة الضبابية الجيوسياسية في الشرق الأوسط، في وقت يترقب فيه المستثمرون مجموعة من البيانات الاقتصادية الأميركية المهمة، وفي مقدمتها مؤشر أسعار المستهلكين، لتقييم التوجهات المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
وتأتي تحركات العملة الأميركية في ظل تداخل عدة عوامل مؤثرة في الأسواق العالمية، أبرزها تطورات الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، وبيانات سوق العمل الأميركية الأخيرة، إلى جانب توقعات التضخم التي قد تعيد رسم مسار السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.
أداء مؤشر الدولار اليوم
ارتفع مؤشر الدولار بنسبة 0.06% ليصل إلى 99.7 نقطة، معوضاً بذلك جزءاً من خسائره السابقة، بعدما كانت العملة الأميركية قد تعرضت لضغوط دفعتها نحو أدنى مستوياتها في شهرين أمام العملات الرئيسية.
وجاء هذا الانتعاش بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ما أسهم في تعزيز الطلب على الدولار باعتباره أحد أبرز الملاذات الآمنة خلال فترات الاضطرابات.
اليورو قرب أعلى مستوياته منذ منتصف يونيو
في سوق العملات الرئيسية، تراجع اليورو بشكل طفيف ليتداول عند مستوى 1.1551 دولار، إلا أنه بقي قريباً من أعلى مستوياته المسجلة منذ منتصف يونيو.
وفي المقابل، استقر الجنيه الإسترليني عند مستوى 1.3486 دولار، وسط حالة من الترقب التي تسيطر على أسواق الصرف قبل صدور البيانات الاقتصادية الأميركية المرتقبة.
الين الياباني يواصل تقليص مكاسب التدخلات
انخفض الين الياباني ليصل إلى 158.30 ين مقابل الدولار، مواصلاً بذلك تقليص المكاسب التي حققها عقب التدخلات الأخيرة في سوق العملات.
وتأتي تحركات العملة اليابانية في وقت تراقب فيه الأسواق عن كثب اتجاهات الدولار والسياسة النقدية الأميركية، إلى جانب تأثير التحركات الأخيرة في أسواق الطاقة على التضخم العالمي.
أداء أسعار النفط اليوم
تتأثر الأسواق بصورة مباشرة باستمرار التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز، إذ قفزت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 1.4% لتسجل نحو 85 دولاراً للبرميل.
ولم تعد تحركات الدولار مرتبطة بتوقعات السياسة النقدية الأميركية فقط، إذ استعادت أسعار النفط تأثيرها المباشر على سوق الصرف في ظل استمرار الضبابية بشأن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
على الرغم من تأكيد طهران أن اتفاقها المرتقب مع سلطنة عُمان بشأن تحديد مسارات ملاحة جديدة أصبح في مراحله النهائية، فإن إيران ربطت إعادة الفتح الكامل للمضيق باستجابة واشنطن لشروط أخرى.
وأبقى ذلك حالة الضبابية مسيطرة على آفاق إمدادات الطاقة العالمية، خصوصاً في ظل الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز بالنسبة إلى حركة تجارة النفط العالمية.
ويؤدي استمرار هذه المخاوف إلى إبقاء أسعار الطاقة تحت ضغط العوامل الجيوسياسية، ما ينعكس بدوره على توقعات التضخم والسياسة النقدية وتحركات العملات الرئيسية.
ارتفاع النفط يعيد المخاوف من الضغوط التضخمية
يشكل ارتفاع خام برنت إلى نحو 85 دولاراً للبرميل عاملاً إضافياً في حسابات المستثمرين، نظراً إلى أن صعود أسعار الطاقة قد يعيد إشعال المخاوف التضخمية عالمياً، في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة تكافح لإعادة التضخم إلى المستوى المستهدف البالغ 2%.
كما أن أي تعطيل جديد لإمدادات الطاقة قد ينعكس سريعاً على أسعار الوقود والنقل، الأمر الذي يجعل المستثمرين أكثر حذراً قبل صدور البيانات الاقتصادية الأميركية.
وقد يدفع استمرار ارتفاع أسعار النفط الاحتياطي الفيدرالي إلى التريث قبل المضي في دورة تيسير نقدي سريعة، وهو ما وفر دعماً إضافياً للعملة الأميركية في بداية الأسبوع.
بيانات الوظائف الأميركية تعيد تسعير توقعات الفائدة
على الصعيد النقدي، شهدت رهانات رفع أسعار الفائدة الأميركية تراجعاً ملحوظاً عقب صدور بيانات الوظائف الأخيرة، التي أظهرت انكماشاً غير متوقع في الوظائف الأميركية خلال شهر يوليو.
وجاءت بيانات الوظائف الأميركية الأخيرة أقل من المتوقع، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المسار المحتمل للسياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وهدأت هذه البيانات المخاوف في الأسواق، وانعكس تأثيرها على سوق العقود الآجلة، حيث انخفضت احتمالية رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر إلى 44%، مقارنة بـ67% في الأسبوع الماضي.
ويعكس هذا التحول اقتناع الأسواق بأن تباطؤ سوق العمل قد يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لوقف تشديد السياسة النقدية، في حال استمر التضخم في التراجع.
لماذا تؤثر توقعات الفائدة في الدولار؟
عادةً ما يتعرض الدولار الأميركي لضغوط عندما تنخفض توقعات رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، إذ يؤدي تراجع العائد المتوقع على الأصول المقومة بالدولار إلى تقليص جاذبيتها بالنسبة إلى المستثمرين.
لكن العملة الأميركية تمكنت من استعادة جزء من خسائرها مع بداية الأسبوع، مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط وتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهو ما عزز الطلب عليها باعتبارها من أبرز أصول الملاذ الآمن خلال فترات عدم اليقين.
وفي الوقت نفسه، يمكن لارتفاع أسعار النفط أن يعيد الضغوط التضخمية، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى توخي الحذر قبل تسريع وتيرة التيسير النقدي، وهو عامل يصب في مصلحة الدولار.
بيانات التضخم الأميركية تحت مجهر المستثمرين
تتجه أنظار المستثمرين هذا الأسبوع بصورة خاصة إلى قراءة مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة، والتي تعد من أهم المؤشرات التي يعتمد عليها المستثمرون وصناع السياسة النقدية في تقييم اتجاهات التضخم.
وتشير التوقعات إلى ارتفاع التضخم الأساسي بنسبة 0.2% على أساس شهري، فيما يُتوقع أن يتراجع معدله السنوي إلى 2.5%، مقارنة بـ2.6% المسجلة في يونيو.
وتترقب الأسواق أيضاً نتائج بيانات أسعار المنتجين ومبيعات التجزئة في وقت لاحق، بهدف تحديد ما إذا كان انخفاض التضخم مستداماً، إلى جانب تقييم القوة الحقيقية للاقتصاد الاستهلاكي الأميركي.
ماذا يعني ارتفاع التضخم أكثر من المتوقع للدولار؟
إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من توقعات الأسواق، فقد تعود الرهانات على إبقاء أسعار الفائدة الأميركية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
ومن شأن هذا السيناريو أن يوفر دعماً للدولار الأميركي، بالتزامن مع احتمالية ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، نتيجة إعادة تقييم المستثمرين للمسار المتوقع للسياسة النقدية.
ماذا لو جاء التضخم أقل من التوقعات؟
في المقابل، إذا جاءت قراءة التضخم أقل من المتوقع، فقد تتعزز التوقعات باتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع.
وقد يؤدي هذا السيناريو إلى زيادة الضغوط على الدولار، بالتزامن مع دعم العملات المنافسة والأصول عالية المخاطر، نتيجة تراجع العائد المتوقع على الأصول المقومة بالعملة الأميركية.
الاحتياطي الفيدرالي يتمسك بسياسة الاعتماد على البيانات
رغم تراجع رهانات رفع أسعار الفائدة عقب بيانات سوق العمل الأخيرة، لا يزال مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي يؤكدون أن القرارات المقبلة ستظل معتمدة بصورة أساسية على البيانات الاقتصادية.
وبالتالي، تكتسب بيانات التضخم المنتظرة هذا الأسبوع أهمية استثنائية، وقد تتحول إلى المحرك الأبرز للأسواق العالمية، نظراً إلى قدرتها على تغيير توقعات المستثمرين بشأن الخطوات النقدية المقبلة.
وسيكون على المستثمرين الموازنة بين إشارات تباطؤ سوق العمل من جهة، واحتمال عودة الضغوط التضخمية بفعل ارتفاع أسعار الطاقة من جهة أخرى.
الدولار الأسترالي والنيوزيلندي يتراجعان
في الأسواق الآسيوية، سجل كل من الدولار الأسترالي والدولار النيوزيلندي تراجعاً بنسبة 0.1%، وسط ترقب المستثمرين لقرار البنك المركزي الأسترالي.
وتشير التوقعات إلى إبقاء البنك المركزي الأسترالي سعر الفائدة دون تغيير عند مستوى 4.35%، ما يدفع الأسواق إلى مراقبة أي إشارات بشأن توجهات السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.
اليوان الصيني يستقر قرب أعلى مستوياته في ثلاث سنوات ونصف
في المقابل، حافظ اليوان الصيني على استقراره عند مستوى 6.7440 مقابل الدولار.
وتواصل العملة الصينية تحركاتها بالقرب من أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات ونصف، وذلك عقب تباطؤ تضخم أسعار المنتجين المحليين.
النفط والتضخم والفائدة.. ثلاثة عوامل ترسم مسار الدولار
تكشف التحركات الأخيرة أن اتجاه الدولار خلال المرحلة الحالية لم يعد مرتبطاً بعامل واحد، بل بات محصلة لتفاعل ثلاثة محركات رئيسية تتمثل في أسعار النفط، وتطورات التضخم الأميركي، ومسار أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي.
فمن ناحية، يؤدي ضعف بيانات الوظائف وتراجع احتمالات رفع الفائدة إلى الضغط على العملة الأميركية. ومن ناحية أخرى، تمنح التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط الدولار دعماً باعتباره ملاذاً آمناً، فضلاً عن أن صعود الطاقة قد يعيد الضغوط التضخمية ويؤخر التحول نحو سياسة نقدية أكثر تيسيراً.
خاتمة
يواجه الدولار الأميركي أسبوعاً مهماً قد تتحدد خلاله ملامح اتجاهه القادم، مع ترقب المستثمرين بيانات التضخم الأميركية بعد أن أدت أرقام الوظائف الأخيرة إلى خفض احتمالات رفع أسعار الفائدة في سبتمبر إلى 44% مقارنة بـ67% قبل أسبوع.
وفي الوقت نفسه، يوفر ارتفاع خام برنت إلى نحو 85 دولاراً للبرميل واستمرار الضبابية بشأن الملاحة في مضيق هرمز دعماً للعملة الأميركية، سواء من خلال زيادة الطلب على الملاذات الآمنة أو عبر مخاطر عودة الضغوط التضخمية.
وبين تباطؤ سوق العمل، ومساعي إعادة التضخم نحو مستهدف 2%، وتقلبات أسعار الطاقة، ستكون بيانات مؤشر أسعار المستهلكين وأسعار المنتجين ومبيعات التجزئة عوامل حاسمة في تقييم القوة الحقيقية للاقتصاد الأميركي وتحديد توقعات السياسة النقدية، وبالتالي رسم المسار المقبل للدولار والأسواق المالية العالمية.