موجة بيع تضرب الدولار الأميركي وسط تصاعد أزمة جرينلاند وتزايد عزوف المستثمرين عن الأصول الأميركية
تعرّض الدولار الأميركي لموجة بيع قوية خلال تعاملات يوم الثلاثاء، في واحدة من أكثر جلسات سوق العملات حساسية خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما أعادت التطورات السياسية المرتبطة بملف جزيرة جرينلاند إشعال المخاوف من مواجهة تجارية مفتوحة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الدولار والأصول الأميركية، والتحوّل نحو العملات المنافسة وأدوات التحوّط والملاذات الآمنة.
وجاء هذا التراجع الحاد في وقت بالغ الحساسية للأسواق العالمية، إذ تتداخل فيه اعتبارات السياسة الجيوسياسية مع مسار السياسة النقدية العالمية، وتوقعات النمو، وهو ما زاد من حدّة التقلبات في سوق الصرف.
أداء مؤشر الدولار اليوم
بحلول الساعة 11:55 بتوقيت السعودية، انخفض مؤشر الدولار الأميركي، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من ست عملات رئيسية، بنسبة 0.9% ليصل إلى مستوى 98.340 نقطة، مسجلاً أدنى قراءة له منذ قرابة أسبوعين، في إشارة واضحة إلى اتساع نطاق الضغوط البيعية على العملة الخضراء.
ويمثل هذا التراجع امتداداً لخسائر اليوم السابق، خصوصاً مع عودة المتعاملين الأميركيين إلى الأسواق بعد عطلة يوم الاثنين، ما أعاد الزخم إلى حركة البيع، وسط إعادة تقييم شاملة للمخاطر المرتبطة بالاقتصاد الأميركي.
جرينلاند… ملف سياسي يتحول إلى أزمة أسواق
تعود جذور هذه التحركات العنيفة إلى تجديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته بفرض رسوم جمركية واسعة على عدد من الدول الأوروبية، في إطار مساعيه للسيطرة على جزيرة جرينلاند، الإقليم شبه المستقل الخاضع للسيادة الدنماركية.
وفي تصريحات أدلى بها في وقت متأخر من يوم الاثنين، شدّد ترامب على أن جرينلاند تمثل “ضرورة حيوية للأمن القومي والعالمي”، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تتراجع عن موقفها، ومشيراً إلى أن الملف سيكون على رأس جدول أعمال لقاءاته المرتقبة مع قادة ومسؤولين دوليين خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الأسبوع.
هذه التصريحات لم تمرّ مرور الكرام في أوروبا، حيث قوبلت برفض واسع من القادة الأوروبيين، الذين اعتبروا الخطاب الأميركي تصعيداً غير مسبوق، يفتح الباب أمام مواجهة اقتصادية وتجارية مباشرة مع واشنطن.
أوروبا تلوّح برد انتقامي واسع
وبحسب مصادر دبلوماسية أوروبية، يستعد قادة الاتحاد الأوروبي لعقد اجتماع طارئ يوم الخميس لبحث تطورات الأزمة، بما في ذلك آليات الرد المحتملة على أي رسوم جمركية أميركية جديدة.
وفي هذا السياق، أوضح محللو ING في مذكرة تحليلية أن مسار الأسواق خلال الأيام المقبلة سيتوقف بشكل كبير على نتائج المناقشات التي ستجري في دافوس، مشيرين إلى أن أي إشارات متشددة من الجانب الأميركي قد تدفع أوروبا إلى “اللعب بقوة”.
وأضاف المحللون أن الرسوم الأميركية قد تدخل حيز التنفيذ اعتباراً من 1 فبراير، وهو ما قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى الرد بحزمة تعريفات انتقامية تصل قيمتها إلى 93 مليار يورو خلال الفترة ما بين 6 و7 فبراير، في تصعيد قد يعيد إلى الأذهان أجواء الحروب التجارية التي شهدها العالم في سنوات سابقة.
البيانات الأميركية… دعم محدود للدولار
على الصعيد الاقتصادي، تترقب الأسواق صدور بيانات وظائف ADP في الولايات المتحدة، والتي تمثل أحد المؤشرات المبكرة على أداء سوق العمل.
ويتوقع محللو ING أن تسجل البيانات إضافة تتراوح بين 10 و12 ألف وظيفة، وهو مستوى يعكس سوق عمل يعاني من ضعف في وتيرة التوظيف، لكنه لا يزال بعيداً عن الدخول في مرحلة تدهور حاد، ما يحدّ من قدرة هذه البيانات على تقديم دعم قوي للدولار في الوقت الراهن.
الإسترليني يصعد رغم إشارات التباطؤ
في سوق العملات الأوروبية، استفاد الجنيه الإسترليني من موجة ضعف الدولار، حيث ارتفع زوج الجنيه الإسترليني/الدولار الأميركي بنسبة 0.5% ليصل إلى مستوى 1.3483.
وجاء هذا الارتفاع رغم صدور بيانات اقتصادية بريطانية أظهرت استمرار الضغوط على سوق العمل، إذ استقر معدل البطالة عند 5.1% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في نوفمبر، وهو أعلى مستوى له منذ أوائل عام 2021، بينما تباطأ نمو الأجور – باستثناء المكافآت – إلى 4.5% على أساس سنوي.
وتعزز هذه الأرقام التوقعات بأن بنك إنجلترا قد يواصل مسار تيسير السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، بعدما خفّض سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 3.75% في اجتماعه الأخير في ديسمبر، على أن يعقد اجتماعه التالي في أوائل فبراير.
اليورو يستعيد زخمه وسط تحسن المعنويات
من جانبه، سجّل اليورو مكاسب ملحوظة أمام الدولار، حيث ارتفع زوج اليورو/الدولار الأميركي بنسبة 0.6% إلى مستوى 1.1710، مدعوماً بتراجع الطلب على الدولار وتحسن المعنويات في منطقة اليورو.
وأظهرت البيانات أن أسعار المنتجين في ألمانيا تراجعت بنسبة 2.5% على أساس سنوي في ديسمبر، بما يتماشى مع التوقعات، ما يعكس استمرار الضغوط الانكماشية في أكبر اقتصاد أوروبي.
وفي الوقت ذاته، تترقب الأسواق صدور مؤشر ZEW للثقة الاقتصادية في ألمانيا، وسط توقعات بأن يُظهر تحسناً ملموساً في ثقة المستثمرين واقترابه من أعلى مستوياته خلال عام، وهو ما قد يوفر دعماً إضافياً للعملة الموحدة.
وأشار محللو ING إلى أن اختراق اليورو لمستويات المقاومة الفنية عند 1.1640 – 1.1650 يعزز فرص استمراره في التحرك نحو نطاق 1.1690 – 1.1700، مع التأكيد على أن الظروف الحالية لا تزال غير كافية لإطلاق موجة بيع واسعة للدولار على المدى المتوسط.
الين الياباني بين السياسة والديون
في الأسواق الآسيوية، ظل الين الياباني ضعيف الأداء رغم تراجع الدولار عالمياً، حيث ارتفع زوج الدولار/الين بنسبة طفيفة بلغت 0.1% إلى 158.16.
ويأتي ذلك عقب إعلان رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي عن إجراء انتخابات مبكرة في 8 فبراير، في خطوة تعكس ثقة الحكومة في شعبيتها، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات حول مستقبل السياسة المالية.
ورغم التوقعات بإعادة تعيين تاكايتشي، أبدت الأسواق قلقها من محدودية القدرة على تنفيذ مزيد من التحفيز المالي، في ظل استمرار عمليات بيع السندات الحكومية اليابانية وارتفاع العوائد.
وتتجه الأنظار الآن إلى اجتماع بنك اليابان يوم الجمعة، حيث لا يزال المستثمرون منقسمين حول ما إذا كان البنك المركزي يمتلك الزخم الكافي للمضي في رفع أسعار الفائدة خلال المرحلة المقبلة.
اليوان مستقر والعملات السلعية تتألق
في الصين، تراجع زوج الدولار/اليوان بنسبة 0.1% إلى 6.9588، دون تأثير يُذكر لقرار بنك الشعب الصيني الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي للقروض دون تغيير، كما كان متوقعاً على نطاق واسع.
وظل اليوان قريباً من أقوى مستوياته في نحو عامين ونصف، مدعوماً بسلسلة من التثبيتات القوية لسعر الصرف المرجعي من قبل البنك المركزي الصيني، في إطار جهوده للحفاظ على استقرار العملة.
أما العملات المرتبطة بالسلع، فقد سجلت أداءً قوياً، حيث ارتفع الدولار الأسترالي بنسبة 0.6% إلى 0.6746، بينما قفز الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.9% إلى 0.5841، مستفيدة من تحسن شهية المخاطرة وتراجع العملة الأميركية.