استقرار الدولار قرب أعلى مستوى في 6 أسابيع وسط ترقب الفيدرالي وتوترات الشرق الأوسط
استقر الدولار الأميركي قرب أعلى مستوياته في ستة أسابيع خلال تعاملات الجمعة، مع متابعة الأسواق لتطورات الحرب في الشرق الأوسط وتأثيرها المحتمل على التضخم والسياسة النقدية الأميركية. ويترقب المستثمرون موقف مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية إلى الواجهة.
الدولار يحافظ على مكاسبه وسط حالة ترقب عالمية
واصل الدولار الأميركي تماسكه في الأسواق العالمية خلال تعاملات يوم الجمعة 22 مايو/أيار، ليستقر بالقرب من أعلى مستوياته في ستة أسابيع، وسط تقييم المستثمرين لعدة عوامل متشابكة تتعلق بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ومسار التضخم الأميركي، ومستقبل السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وتسود حالة من الحذر في الأسواق المالية العالمية مع استمرار الحرب والتوترات الإقليمية، خصوصاً بعد تصاعد الحديث عن إمكانية التوصل إلى تفاهمات أو اتفاقات تهدف إلى تهدئة الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
ويأتي هذا الأداء القوي للدولار في وقت يتزايد فيه الإقبال على الأصول الآمنة، بالتزامن مع مخاوف المستثمرين من أن تؤدي الاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط إلى موجة تضخمية جديدة قد تُجبر البنوك المركزية الكبرى على تشديد السياسة النقدية لفترة أطول.
تطورات الشرق الأوسط تزيد الضغوط على الأسواق
أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عقد اجتماعاً مع وزير الداخلية الباكستاني لبحث مقترحات تتعلق بإنهاء الصراع الإقليمي المتصاعد، في خطوة تعكس استمرار الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمة.
ورغم تلك التحركات السياسية، لا تزال الخلافات الجوهرية قائمة، خاصة فيما يتعلق بملف تخصيب اليورانيوم الإيراني والسيطرة على مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات الحيوية لتدفق النفط العالمي.
وتخشى الأسواق من أن يؤدي أي تصعيد إضافي في المنطقة إلى اضطرابات واسعة في إمدادات الطاقة العالمية، الأمر الذي قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى، وينعكس بشكل مباشر على معدلات التضخم العالمية، لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا.
مخاوف التضخم تعيد سيناريو رفع الفائدة إلى الواجهة
أصبحت الأسواق أكثر حساسية تجاه أي تطورات تؤثر على أسعار الطاقة، بعدما أدى استمرار ارتفاع النفط إلى تعزيز المخاوف من انتقال الضغوط السعرية إلى المستهلكين والشركات.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي ارتفاع تكاليف الوقود والطاقة إلى زيادة أسعار السلع والخدمات، ما قد يعرقل جهود البنوك المركزية في السيطرة على التضخم.
وفي هذا السياق، تتركز الأنظار على مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي يواجه معادلة معقدة بين دعم النمو الاقتصادي من جهة، ومنع عودة التضخم إلى الارتفاع من جهة أخرى.
محللون: الفيدرالي قد يضطر لتشديد السياسة النقدية
قال نويل ديكسون، محلل الاستراتيجيات الكلية العالمية لدى شركة "ستيت ستريت غلوبال ماركتس"، إن السؤال الأهم حالياً يتمثل فيما إذا كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيواصل تثبيت أسعار الفائدة أم سيتجه نحو رفع جديد خلال الأشهر المقبلة.
وأوضح ديكسون أن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المؤشر المفضل لدى الفيدرالي لقياس التضخم، لا يزال حتى الآن يُظهر ضغوطاً تضخمية محدودة نسبياً، وهو ما يدعم خيار الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في الوقت الحالي.
لكنه في المقابل حذر من أن أي تصعيد عسكري جديد ضد إيران قد يغيّر المشهد بالكامل، مضيفاً أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق المالية وعوائد السندات، الأمر الذي قد يدفع الفيدرالي إلى إعادة النظر في موقفه النقدي وربما التفكير بجدية في رفع أسعار الفائدة مجدداً.
الأسواق ترفع احتمالات زيادة الفائدة الأميركية
تعكس تعاملات العقود الآجلة لصناديق الاحتياطي الفيدرالي تزايد رهانات المستثمرين على إمكانية رفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام الجاري.
ووفقاً لتسعير الأسواق، ارتفعت احتمالات قيام الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة بحلول شهر ديسمبر/كانون الأول إلى نحو 54%، وهو ما يعكس تنامي القلق من استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.
وتشير هذه التوقعات إلى أن الأسواق لم تعد تستبعد سيناريو التشديد النقدي الإضافي، خاصة إذا استمرت أسعار النفط والطاقة في الصعود خلال الفترة المقبلة.
أداء مؤشر الدولار والعملات الرئيسية
سجل مؤشر الدولار الأميركي، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات الرئيسية أبرزها اليورو والين الياباني، ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.03% ليستقر عند مستوى 99.19 نقطة.
وفي المقابل، تراجع اليورو بنسبة 0.12% إلى مستوى 1.1604 دولار، متأثراً بقوة العملة الأميركية واستمرار الضبابية الاقتصادية العالمية.
أما الجنيه الإسترليني، فقد ارتفع بنسبة 0.08% ليصل إلى 1.344 دولار، رغم صدور بيانات ضعيفة بشأن مبيعات التجزئة البريطانية، والتي سجلت أكبر انخفاض في نحو عام خلال أبريل/نيسان، في ظل تأثر المستهلكين بارتفاع الأسعار الناتج عن التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة.
في الوقت ذاته، انخفض الدولار الأسترالي بنسبة 0.27% إلى 0.7128 دولار أميركي، مع تأثر العملات المرتبطة بالسلع بقوة الدولار وارتفاع أسعار النفط.
الين الياباني يواصل التراجع أمام الدولار
تعرض الين الياباني لمزيد من الضغوط خلال تعاملات الجمعة، حيث كافح للحفاظ على مستواه فوق 159.1 ين مقابل الدولار الأميركي.
وجاء هذا التراجع نتيجة استمرار ارتفاع العوائد الأميركية وقوة الدولار، إلى جانب زيادة الطلب على العملة الأميركية كملاذ آمن في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية.
كما ساهم ارتفاع أسعار النفط في الضغط على العملة اليابانية، نظراً لاعتماد اليابان الكبير على واردات الطاقة، ما يزيد من الأعباء الاقتصادية ويؤثر سلباً على قيمة الين.
هل يواصل الدولار الصعود خلال الفترة المقبلة؟
يرى محللون أن مستقبل الدولار خلال المرحلة القادمة سيعتمد بشكل رئيسي على ثلاثة عوامل أساسية:
- تطورات الحرب والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
- مسار أسعار النفط والطاقة عالمياً.
- قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
وفي حال استمرار التصعيد الجيوسياسي وارتفاع أسعار النفط، فقد يواصل الدولار تحقيق مكاسب إضافية، خاصة إذا عززت تلك التطورات احتمالات رفع أسعار الفائدة الأميركية مجدداً.
أما إذا شهدت المنطقة تهدئة سياسية وتراجعت الضغوط التضخمية، فقد تتراجع مكاسب الدولار تدريجياً مع عودة المستثمرين نحو الأصول ذات المخاطر الأعلى.