الجنيه الإسترليني واليورو يتعافيان بشكل طفيف والدولار يترقب بيانات الوظائف الأمريكية
سجل الجنيه الإسترليني واليورو ارتفاعات طفيفة خلال تداولات يوم الجمعة، في وقت حافظ فيه الدولار الأمريكي على مكاسبه بالقرب من أعلى مستوياته المسجلة خلال العام الحالي، وسط ترقب المستثمرين صدور بيانات الوظائف الأمريكية لشهر سبتمبر، التي يُتوقع أن تقدم مؤشرات مهمة بشأن مسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.
وتأتي تحركات أسواق العملات في ظل تباين التوقعات بشأن أسعار الفائدة الأمريكية، واستمرار الضغوط على أسواق السندات الأوروبية، ولا سيما الديون الفرنسية، إلى جانب تأثير ارتفاع أسعار الطاقة وصمود النشاط الاقتصادي الأمريكي في دعم أداء الدولار أمام العملات الرئيسية.
أداء الجنيه الإسترليني واليورو أمام الدولار الأمريكي
شهدت العملات الأوروبية الرئيسية تحسناً محدوداً خلال تعاملات الجمعة، حيث ارتفع زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي (GBP/USD) بنسبة 0.05% ليصل إلى 1.3204 دولار، بينما سجل زوج اليورو مقابل الدولار الأمريكي (EUR/USD) ارتفاعاً بنسبة 0.06% ليبلغ 1.1230 دولار، وذلك عند الساعة 14:05 بتوقيت تركيا.
وجاء هذا التعافي الطفيف بعد تراجعات شهدتها العملتان خلال الجلسات السابقة، في حين واصل الدولار التداول عند مستويات مرتفعة، مدعوماً بتوقعات السياسة النقدية الأمريكية والظروف الاقتصادية الراهنة.
الدولار الأمريكي يحافظ على مكاسبه مع استمرار قوة الاقتصاد
مؤشر الدولار يسجل أعلى مستوياته خلال العام
واصل الدولار الأمريكي الاستفادة من العوامل الداعمة لأدائه، بعدما اخترق مؤشر الدولار مستوى 101.80 نقطة يوم الخميس، مسجلاً مستوى جديداً من أعلى مستوياته خلال العام الحالي.
وفي هذا السياق، قال كريس تيرنر، الرئيس العالمي للأسواق في بنك ING، إن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، بالتزامن مع صمود النشاط الاقتصادي الأمريكي، يمنح الدولار القدرة على الحفاظ على مكاسبه الحالية، بل وربما توسيعها بشكل محدود، خصوصاً أمام اليورو.
وتتوقع مؤسسة ING أن يواصل مؤشر الدولار مساره الصاعد باتجاه منطقة 102.85 نقطة، في ظل استمرار الظروف الداعمة للعملة الأمريكية.
تراجع توقعات رفع الفائدة الأمريكية في أكتوبر
على صعيد السياسة النقدية، انخفضت احتمالات رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة خلال اجتماعه في أكتوبر إلى 28%، مقارنة بنحو 70% قبل أسبوع واحد.
وجاء هذا التراجع عقب تصريحات نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي فيليب جيفرسون، التي أكدت الموقف الذي سبق أن عبّر عنه جون ويليامز، بشأن ضرورة عدم التسرع في تنفيذ زيادات متتالية لأسعار الفائدة.
واتسمت تصريحات المسؤولين بنبرة تيسيرية، ما انعكس على أسواق الدين الأمريكية، حيث سجلت أسعار الفائدة قصيرة الأجل أول تراجع ملحوظ لها منذ أواخر أغسطس.
وفي المقابل، تشير تقديرات ING إلى أن الأسواق بدأت تتجه نحو توقع رفع أسعار الفائدة خلال شهر ديسمبر، بدلاً من أكتوبر، مع استمرار تقييم البيانات الاقتصادية والتصريحات الصادرة عن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي.
بيانات الوظائف الأمريكية لشهر سبتمبر وتأثيرها على تحركات الدولار
توقعات نمو الوظائف ومعدل البطالة والأجور
تتجه أنظار المستثمرين إلى تقرير الوظائف غير الزراعية الأمريكي لشهر سبتمبر، المقرر صدوره يوم الجمعة، باعتباره أحد أبرز المؤشرات الاقتصادية التي قد تؤثر على توقعات أسعار الفائدة وتحركات الدولار خلال الفترة المقبلة.
وتشير التوقعات إلى ارتفاع عدد الوظائف غير الزراعية بما يتراوح بين 85 ألفاً و90 ألف وظيفة، مع استقرار معدل البطالة عند 4.1%، ونمو متوسط الأجور بنسبة 3.1% على أساس سنوي.
وبحسب التقويم الاقتصادي لدى ING، بلغ عدد الوظائف الجديدة في القراءة السابقة 162 ألف وظيفة، ما يعني أن التوقعات الحالية تشير إلى تباطؤ ملحوظ في وتيرة التوظيف.
هل تؤثر خيبة توقعات الوظائف على الدولار؟
رغم أهمية بيانات التوظيف في تحديد توجهات السياسة النقدية الأمريكية، يرى كريس تيرنر أن أي قراءة مخيبة للتوقعات بشأن العدد الإجمالي للوظائف قد لا تؤدي بالضرورة إلى ضغوط كبيرة على أسعار الفائدة الأمريكية أو الدولار.
وأوضح تيرنر أن النمو المنخفض للغاية في قوة العمل الأمريكية يدفع ING إلى التشكيك في مدى تأثير أي ضعف في الرقم الرئيسي للوظائف على الأسواق، وهو ما قد يحد من ردود الفعل السلبية المحتملة تجاه العملة الأمريكية.
وفي سياق البيانات الاقتصادية المرتقبة، من المقرر صدور بيانات التضخم الأمريكية لشهر سبتمبر في 14 أكتوبر، ما يضيف مؤشراً مهماً آخر إلى قائمة العوامل التي يراقبها المستثمرون لتقييم مسار السياسة النقدية.
الجنيه الإسترليني بين تقلبات الأسواق وضغوط السندات البريطانية
لم تعكس تحركات الجنيه الإسترليني الأخيرة بالضرورة الأوضاع الاقتصادية الأساسية في المملكة المتحدة، إذ جاء تراجعه يوم الخميس في أعقاب موجة بيع عالمية واسعة النطاق في أسواق السندات.
وأدت هذه الموجة إلى ارتفاع عوائد السندات الحكومية البريطانية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، في تطور يعكس حجم الضغوط التي تواجه أسواق الدين العالمية.
وتشير هذه التحركات إلى أن أداء الجنيه الإسترليني يتأثر في الوقت الراهن بعوامل مالية وأسواقية تتجاوز المؤشرات الاقتصادية البريطانية المحلية، خصوصاً في ظل الترابط بين أسواق السندات العالمية وتوقعات السياسة النقدية.
وعلى الرغم من التعافي الطفيف الذي سجله الجنيه أمام الدولار خلال تداولات الجمعة، فإن استمرار التقلبات في أسواق الدين قد يظل عاملاً مؤثراً في مساره خلال الفترة المقبلة.
اليورو يواجه ضغوط الديون الفرنسية وتحديات السياسة النقدية الأوروبية
موجة بيع السندات الفرنسية تزيد الضغوط على العملة الأوروبية
يُعد اليورو الطرف الأضعف في المعادلة الحالية بين العملات الرئيسية، وفقاً لتقييمات ING، بعدما سجل زوج اليورو مقابل الدولار مستويات منخفضة جديدة خلال العام يوم الخميس، بالتزامن مع تصاعد موجة البيع في الديون الفرنسية.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تواجه فيه فرنسا تحديات مالية، وسط غياب أفق قريب للتوصل إلى مسار واضح للتوحيد المالي، وهو ما يزيد من حساسية السندات الفرنسية تجاه مخاطر السوق.
وفي هذا الإطار، قال كريس تيرنر إن غياب أي أفق قريب للتوحيد المالي يجعل الديون الفرنسية عرضة لمزيد من الضغوط خلال الأشهر المقبلة.
وتعكس هذه المخاوف تنامي حالة عدم اليقين بشأن استقرار أسواق الدين الأوروبية، وتأثير التطورات المالية الفرنسية على أداء العملة الموحدة.
تساؤلات بشأن قدرة البنك المركزي الأوروبي على تشديد السياسة النقدية
أثارت موجة البيع في السندات الفرنسية تساؤلات جدية بشأن قدرة البنك المركزي الأوروبي على تنفيذ مزيد من التشديد النقدي بمقدار 75 نقطة أساس، وفقاً لتصريحات تيرنر.
ويرتبط هذا التحدي بالمخاطر التي قد تنشأ عن استمرار ارتفاع الضغوط في أسواق الدين، وما يمكن أن يترتب عليها من تعقيدات أمام صانعي السياسة النقدية في منطقة اليورو.
وترى ING أن المستثمرين باتوا يفترضون أن أي استجابة محتملة من البنك المركزي الأوروبي ستتجه نحو تشديد نقدي أقل من المتوقع، أو عدم تنفيذ أي تشديد إضافي على الإطلاق.
وفي السيناريو الأكثر تشدداً، قد يلجأ البنك المركزي الأوروبي إلى استخدام أداة حماية الانتقال، التي تستهدف الحد من الاختلالات غير المبررة في تكاليف الاقتراض بين دول منطقة اليورو، والحفاظ على انتقال السياسة النقدية بصورة متسقة.
وتبرز هذه التوقعات حجم التحديات التي تواجه البنك المركزي الأوروبي في الموازنة بين أهداف السياسة النقدية والاستقرار المالي في ظل الضغوط المتزايدة على أسواق السندات.
علاوة المخاطر تهدد اليورو بمزيد من التراجع
في ظل استمرار اضطرابات أسواق الدين الفرنسية، يرى استراتيجي ING فرانشيسكو بيسولي أن اليورو قد يواجه علاوة مخاطر إضافية تبلغ 2% إذا امتدت موجة البيع في السندات.
ويعني ذلك احتمال تعرض العملة الأوروبية لمزيد من الضغوط، مع ارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بالوضع المالي في فرنسا وتداعياته المحتملة على منطقة اليورو.
وعلى المستوى الفني، أدى كسر مستويات الدعم الرئيسية إلى تعزيز التوقعات السلبية لزوج اليورو مقابل الدولار، حيث ترى ING أن الزوج يتجه نحو نطاق 1.1100 إلى 1.1120 على المدى القريب، مع احتمال الاقتراب من مستوى 1.10 دولار.
وفي هذا السياق، توقع كريس تيرنر أن تظل التصحيحات الصعودية لليورو محدودة نسبياً في الوقت الراهن، في ظل استمرار العوامل الضاغطة على العملة الموحدة.
كما أشارت توقعات ING إلى إمكانية تراجع زوج اليورو مقابل الفرنك السويسري (EUR/CHF) إلى مستوى 0.9250، في حال استمرار الظروف الحالية في أسواق العملات والدين الأوروبي.
العوامل التي قد تغير توقعات ING بشأن العملات الأوروبية والدولار
على الرغم من النظرة الحذرة تجاه اليورو والتوقعات الداعمة للدولار، فإن ING حددت مجموعة من التطورات التي قد تدفعها إلى مراجعة موقفها بشأن أسواق العملات خلال الفترة المقبلة.
ويتمثل العامل الأول في استقرار أسواق السندات الفرنسية والسندات الطرفية في منطقة اليورو، إلى جانب اتخاذ البنك المركزي الأوروبي خطوات فعلية للمضي قدماً في تشديد السياسة النقدية.
وقد يؤدي تحقق هذين الشرطين إلى تقليص الضغوط المرتبطة بالديون الأوروبية وتغيير التوقعات الحالية بشأن أداء اليورو.
أما العامل الثاني، فيرتبط بالتطورات السياسية والجيوسياسية، وتحديداً احتمال إحراز تقدم في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
وكان كريس تيرنر قد أشار يوم الخميس إلى أن المفاوضات الأمريكية الإيرانية تمثل أحد أبرز المخاطر التي قد تواجه الدولار خلال شهر أكتوبر، ما يجعل أي اختراق في هذه المحادثات عاملاً محتملاً لتغيير اتجاهات الأسواق وتوقعاتها بشأن العملة الأمريكية.
خاتمة
تتحرك أسواق العملات العالمية وسط تباين واضح في العوامل المؤثرة على أداء الدولار والجنيه الإسترليني واليورو، حيث يستفيد الدولار من قوة النشاط الاقتصادي الأمريكي وارتفاع أسعار الطاقة، بينما يواجه اليورو ضغوطاً متزايدة نتيجة اضطرابات أسواق السندات الفرنسية والتحديات التي تواجه السياسة النقدية الأوروبية.
وفي المقابل، يظل الجنيه الإسترليني متأثراً بالتقلبات العالمية في أسواق الدين، بعيداً عن انعكاس مباشر للأوضاع الاقتصادية البريطانية الأساسية.
وستظل بيانات الوظائف الأمريكية لشهر سبتمبر، إلى جانب تطورات التضخم والتصريحات النقدية والتحركات في أسواق السندات، من أبرز المحددات التي قد ترسم مسار العملات الرئيسية خلال الفترة المقبلة، بالتوازي مع مراقبة المفاوضات الأمريكية الإيرانية والتطورات المالية في منطقة اليورو.