الين الياباني يقترب من أدنى مستوياته في 40 عاماً وسط ضغوط الأسواق وترقب السلطات اليابانية
يواصل الين الياباني مساره الهابط أمام الدولار الأمريكي، مقترباً من تسجيل أدنى مستوياته في نحو أربعة عقود، في ظل استمرار الفجوة الواسعة في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة، وارتفاع أسعار النفط العالمية، إلى جانب تصاعد التوترات الجيوسياسية التي عززت الطلب على الدولار باعتباره ملاذاً آمناً.
وفي الوقت الذي تراقب فيه السلطات اليابانية تحركات سوق الصرف عن كثب، تتزايد التساؤلات بشأن قدرة التدخلات الحكومية والسياسات النقدية على وقف نزيف العملة اليابانية، خاصة مع توقعات بعض أبرز محللي العملات باستمرار ضعف الين خلال العام المقبل.
الين يواصل خسائره ويقترب من أدنى مستوياته التاريخية
تراجع الين الياباني، يوم الجمعة، مقابل سلة من العملات الرئيسية والثانوية، مواصلاً خسائره للجلسة الثانية على التوالي أمام الدولار الأمريكي، ليقترب من أدنى مستوياته في نحو 40 عاماً، ويتجه نحو تسجيل خسارة أسبوعية جديدة، وسط متابعة دقيقة من السلطات اليابانية لتحركات العملة في سوق الصرف الأجنبي.
وسجل الدولار الأمريكي مقابل الين مستوى 162.35 ينًا مقارنة بسعر افتتاح بلغ 162.38 ينًا، بينما بلغ أدنى مستوى خلال الجلسة 162.31 ينًا.
وكان الين قد أنهى تعاملات الخميس منخفضاً بنسبة 0.15% أمام الدولار، مسجلاً أول خسارة خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، وذلك عقب صدور بيانات اقتصادية أمريكية قوية، وفي مقدمتها بيانات طلبات إعانة البطالة.
وعلى مدار تعاملات الأسبوع، التي تنتهي رسمياً مع تسوية الأسعار، تراجع الين حتى الآن بنسبة 0.5% أمام الدولار الأمريكي، متجهاً نحو تسجيل ثاني خسارة أسبوعية متتالية.
ارتفاع الدولار مع تصاعد الطلب على الملاذات الآمنة
واصل الدولار الأمريكي تعزيز مكاسبه خلال تعاملات الجمعة، حيث ارتفع مؤشر الدولار بنسبة 0.09% ليصل إلى 100.65 نقطة، مسجلاً مكاسبه للجلسة الثانية على التوالي، في انعكاس لاستمرار قوة العملة الأمريكية أمام سلة العملات العالمية.
ويأتي هذا الأداء مدعوماً بتزايد إقبال المستثمرين على الدولار باعتباره ملاذاً آمناً، بالتزامن مع استمرار تصاعد الضربات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، فضلاً عن تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما أثار مخاوف متزايدة بشأن اضطراب إمدادات النفط العالمية.
في الوقت ذاته، تتداول أسعار النفط العالمية بالقرب من أعلى مستوياتها خلال شهر، نتيجة تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، وهو ما يعيد إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بارتفاع معدلات التضخم في اليابان.
وتزيد هذه التطورات من الضغوط على بنك اليابان، كما تعزز احتمالات لجوئه إلى رفع أسعار الفائدة خلال شهر أكتوبر المقبل في محاولة لاحتواء الضغوط التضخمية.
توقعات بوصول الدولار إلى 170 يناً خلال عام
يتوقع أحد أكثر محللي العملات دقة، وفقاً لتصنيف وكالة بلومبرغ، استمرار تراجع الين الياباني أمام الدولار الأمريكي خلال العام المقبل، مع احتمال وصول سعر الصرف إلى 170 يناً للدولار.
ويستند هذا التوقع إلى نموذج يعتمد بصورة أساسية على التحليل الفني، بعيداً عن متابعة الأخبار اليومية أو التصريحات الرسمية، في وقت يواصل فيه الين التداول بالقرب من أدنى مستوياته منذ نحو أربعة عقود.
ويرى المحلل أن استمرار الفجوة الكبيرة في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بالسياسات المالية التوسعية للحكومة اليابانية، يمثلان عاملين رئيسيين يضغطان على العملة اليابانية.
كما يؤكد أن المؤشرات الفنية لا تزال تشير إلى استمرار الاتجاه الهابط، وأن محاولات الحكومة اليابانية لدعم الين أصبحت أقل تأثيراً مقارنة بما كانت عليه خلال السنوات الماضية.
يقف وراء هذه التوقعات فيكرام موراركا، مؤسس وكبير استراتيجيي العملات في شركة كشيتيج كونسلتنسي سيرفيسز، والذي يدير تحليلاته من مدينة كولكاتا الهندية، على بعد آلاف الكيلومترات من العاصمة اليابانية طوكيو.
ورغم هذا البعد الجغرافي، تصدر موراركا قائمة بلومبرغ لأدق المحللين في توقعات زوج الدولار مقابل الين خلال الربع الماضي، وكان من بين قلة من الخبراء الذين توقعوا مسبقاً تراجع الين إلى ما دون مستوى 160 يناً للدولار.
كما احتل المركز الثاني في دقة توقعات زوج اليورو مقابل الدولار، مستنداً إلى المنهجية الفنية ذاتها.
التحليل الفني يتفوق على متابعة الأخبار
يرى موراركا أن أحد أبرز أسباب نجاح توقعاته يتمثل في تجاهل الضوضاء الإخبارية والتركيز على الإشارات التي ترسلها الأسواق نفسها وتعرض شاشات مكتبه عدداً كبيراً من الرسوم البيانية التي تتابع متغيرات مختلفة، من أبرزها:
- نسبة أداء مؤشر نيكاي 225 الياباني إلى مؤشر داو جونز الصناعي الأمريكي.
- فروق أسعار الفائدة قصيرة الأجل.
- أداء اليوان الصيني مقابل الين الياباني.
وأكد موراركا أن فريقه لا يمنح الأخبار اليومية أهمية كبيرة، موضحاً أن أي عامل يعتمد عليه في التحليل يجب أن يكون قابلاً للتحول إلى رسم بياني يمكن قياسه وتحليله بصورة موضوعية.
مؤشر نيكاي أصبح الأكثر ارتباطاً بحركة الين
أوضح موراركا، الذي يعمل في تداول العملات والتنبؤ بحركتها منذ عام 1991، أن نسبة أداء مؤشر نيكاي مقارنة بمؤشر داو جونز أصبحت خلال السنوات الأخيرة أكثر المؤشرات ارتباطاً بحركة الين الياباني.
وأشار إلى أنه لا يمتلك تفسيراً قاطعاً لهذه العلاقة، إلا أنها أثبتت فعاليتها مراراً في توقع اتجاه العملة اليابانية.
وأضاف أنه منذ عام 2024 أصبحت تحركات زوج الدولار مقابل الين ترتبط بنسبة أداء نيكاي إلى داو جونز بدرجة أكبر من ارتباطها بفروق عوائد السندات، معتبراً أن هذه العلاقة لا تزال لا تحظى بالاهتمام الكافي من معظم المتعاملين في الأسواق.
لماذا يواصل الين الياباني الضعف؟
يتداول الين حالياً بالقرب من 162.84 يناً للدولار، وهو أحد أضعف مستوياته خلال نحو أربعة عقود ويعزو موراركا هذا الأداء الضعيف إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها:
- استمرار اتساع فجوة أسعار الفائدة.
- خطط الإنفاق الحكومية الضخمة التي تتبناها رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، والتي تضغط على العملة اليابانية.
ويأتي ذلك رغم إنفاق السلطات اليابانية مبلغاً قياسياً بلغ 11.73 تريليون ين، بما يعادل نحو 72.3 مليار دولار، خلال الفترة الممتدة من 28 أبريل إلى 27 مايو، في محاولة لدعم العملة والحد من تراجعها.
إلا أن استمرار ضعف الين رغم هذا التدخل يعكس، بحسب موراركا، تراجع قدرة السلطات على تغيير اتجاه السوق.
تجارة الفائدة تواصل الضغط على العملة اليابانية
يرى موراركا أن استراتيجية تجارة الفائدة (Carry Trade) ستظل أحد أهم العوامل التي تضغط على الين الياباني.
وتقوم هذه الاستراتيجية على اقتراض الين منخفض التكلفة ثم استثمار الأموال في أصول أجنبية تحقق عوائد أعلى، وهو ما يؤدي إلى زيادة المعروض من العملة اليابانية ويضغط على قيمتها.
وحتى في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، يتوقع موراركا تحسن سعر الصرف إلى نحو 154 يناً للدولار فقط على المدى القصير.
أما السيناريو الأساسي لديه، فيتمثل في وصول الدولار إلى 170 يناً للدولار خلال عام، مشيراً إلى أن تجاوز هذا المستوى قد يفتح المجال أمام تسجيل مستويات أعلى.
كما يرى أن قدرة وزارة المالية اليابانية على تغيير اتجاه السوق أصبحت أضعف بكثير مقارنة بالسنوات الماضية.
الحكومة اليابانية تؤكد استعدادها للتدخل
في المقابل، أكدت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما أن الحكومة لا تزال مستعدة لاتخاذ الإجراءات المناسبة في سوق الصرف الأجنبي في أي وقت إذا اقتضت الضرورة.
كما تجنب كبير مسؤولي شؤون العملات في اليابان أتسوشي ميمورا، خلال الشهر الجاري، تكرار الصيغة التقليدية التي تؤكد استعداد الحكومة لاتخاذ "إجراءات حاسمة" في سوق العملات، وهو ما اعتبره بعض المتعاملين إشارة إلى احتمال استمرار التدخل عند الحاجة.
ودعت كاتاياما كذلك صناديق التقاعد اليابانية الكبرى، وعلى رأسها صندوق استثمار معاشات التقاعد الحكومي، إلى زيادة استثماراتها في الأصول المحلية.
وساهمت هذه التصريحات في منح الين دعماً مؤقتاً، إلا أن المستثمرين لا يزالون يشككون في قدرة العملة على تحقيق تعافٍ مستدام دون تغييرات جوهرية في السياسات المالية والنقدية.
السياسة النقدية لبنك اليابان لا تزال تمثل تحدياً
ورغم أن بنك اليابان رفع أسعار الفائدة خلال الشهر الماضي، فإن عقود المبادلة المرتبطة بأسعار الفائدة تشير إلى أن الأسواق تتوقع زيادة إضافية واحدة فقط بمقدار 25 نقطة أساس خلال العام الجاري.
ويعني ذلك استمرار الفجوة الكبيرة في أسعار الفائدة بين اليابان والاقتصادات الكبرى، وهو ما يبقي الضغوط قائمة على الين.
كما تُعد تفضيلات رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي نحو استمرار السياسة النقدية التيسيرية عاملاً إضافياً قد يحد من قدرة بنك اليابان على تنفيذ دورة قوية من تشديد السياسة النقدية.
خاتمة
تشير المعطيات الحالية إلى أن الين الياباني لا يزال يواجه ضغوطاً هيكلية ناتجة عن اتساع فجوة أسعار الفائدة، وارتفاع أسعار النفط، واستمرار الطلب العالمي على الدولار كملاذ آمن، إضافة إلى محدودية تأثير التدخلات الحكومية في سوق الصرف.
وفي ظل هذه العوامل، تتزايد التوقعات باستمرار ضعف العملة اليابانية خلال الفترة المقبلة، خاصة مع ترجيح عدد من المحللين، وفي مقدمتهم فيكرام موراركا، وصول الدولار إلى مستوى 170 يناً خلال العام المقبل، ما لم تشهد السياسات النقدية والمالية اليابانية تحولاً جوهرياً يعيد التوازن إلى سوق العملات.