الدولار يواصل مكاسبه مع ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وتصاعد الإقبال على أصول الملاذ الآمن
واصل الدولار الأمريكي تعزيز مكاسبه خلال تعاملات الخميس مدعوماً بارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتزايد رهانات الأسواق على استمرار تشديد السياسة النقدية من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال العام الجاري.
وفي الوقت ذاته، دفعت حالة الجمود الجيوسياسي المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط المستثمرين نحو أصول الملاذ الآمن، ما عزز الطلب على العملة الأمريكية، بينما تركزت الأنظار على الاجتماع المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين وسط آمال بإحراز تقدم في الملفات التجارية والاقتصادية الحساسة.
أداء مؤشر الدولار الأمريكي اليوم
شهد الدولار الأمريكي دعماً واضحاً في الأسواق العالمية مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، حيث أعاد المستثمرون تسعير توقعاتهم لمسار أسعار الفائدة الأمريكية بعد صدور بيانات تضخم قوية خلال الأسبوع الجاري.
وجاء هذا الدعم عقب بيانات أظهرت ارتفاع أسعار المنتجين في الولايات المتحدة بأكبر وتيرة في أربع سنوات خلال شهر أبريل، إضافة إلى بيانات أسعار المستهلكين التي كشفت عن تسارع التضخم السنوي إلى أعلى مستوياته في ثلاثة أعوام، وهو ما عزز القناعة بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر للإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول.
وتشير هذه التطورات إلى أن الضغوط التضخمية لا تزال متجذرة في الاقتصاد الأمريكي، الأمر الذي يقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة على المدى القريب، ويدفع المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم على رفع إضافي للفائدة قبل نهاية العام.
توقعات الفائدة تعيد تشكيل تحركات الأسواق
بحسب بيانات أداة “فيد ووتش” التابعة لمجموعة CME، ارتفعت احتمالات رفع أسعار الفائدة الأمريكية في ديسمبر المقبل إلى نحو 31.8% مقارنة بما يزيد قليلاً على 16% فقط قبل أسبوع واحد، وهو تحول كبير في توقعات المستثمرين تجاه السياسة النقدية الأمريكية.
ويعكس هذا التغير حالة القلق المتزايدة من استمرار التضخم المرتفع، خاصة مع بقاء سوق العمل الأمريكي قوياً واستمرار الإنفاق الاستهلاكي عند مستويات مرتفعة نسبياً.
وتؤدي توقعات الفائدة المرتفعة عادة إلى زيادة جاذبية الدولار، نظراً لارتفاع العائد على الأصول المقومة بالعملة الأمريكية، ما يدفع رؤوس الأموال العالمية نحو الولايات المتحدة بحثاً عن عوائد أفضل وأكثر أماناً.
التوترات الجيوسياسية تعزز الطلب على الملاذات الآمنة
إلى جانب العوامل النقدية، استفاد الدولار من تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط واستمرار الجمود بين الولايات المتحدة وإيران بشأن الحرب الدائرة في المنطقة، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول عالية المخاطر والاتجاه نحو الملاذات الآمنة.
ويُنظر إلى الدولار الأمريكي تاريخياً باعتباره أحد أبرز أصول التحوط خلال فترات عدم اليقين السياسي والعسكري، خاصة مع ارتفاع مستويات التقلب في أسواق الأسهم والطاقة والعملات.
كما ساهمت حالة الحذر التي تسبق الاجتماع بين ترامب وشي جين بينغ في زيادة الطلب الدفاعي على الدولار، في ظل ترقب الأسواق لأي تطورات تتعلق بالعلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.
اجتماع ترامب وشي تحت مجهر الأسواق العالمية
تتابع الأسواق العالمية عن كثب الاجتماع الذي يجمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، حيث يسعى الجانبان إلى الحفاظ على الهدنة التجارية الهشة ومناقشة ملفات استراتيجية معقدة تشمل الاقتصاد والتجارة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ويأمل المستثمرون أن يسهم اللقاء في تهدئة التوترات الاقتصادية بين واشنطن وبكين، خاصة بعد سنوات من النزاعات التجارية والقيود التكنولوجية التي أثرت بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية والنمو الاقتصادي الدولي.
وفي هذا السياق، سجل اليوان الصيني في التعاملات الخارجية مستوى 6.7860 مقابل الدولار، وهو أعلى مستوى للعملة الصينية منذ أكثر من ثلاث سنوات، مدعوماً بتوقعات الأسواق بإمكانية التوصل إلى تفاهمات اقتصادية جديدة بين البلدين.
استقرار اليوان وسط مراقبة السلطات الصينية
أشار محللون في بنك Barclays إلى أن اليوان الصيني مرشح للاستقرار على المدى القريب، وهو ما قد يساعد في تهيئة أجواء أكثر هدوءاً للمفاوضات الأمريكية الصينية.
لكنهم أوضحوا في الوقت ذاته أن السلطات الصينية تبدي قدراً محدوداً من التسامح تجاه الارتفاع السريع للعملة، خاصة مع ظهور مؤشرات على تدخلات تنظيمية عبر آليات تحديد الأسعار الرسمية والتدخلات غير المباشرة في السوق.
وقد ساهمت التوقعات الإيجابية المحيطة باجتماع ترامب وشي في دفع المستثمرين إلى شراء اليوان خلال الأيام الماضية، أملاً في التوصل إلى صفقات أو تفاهمات اقتصادية تدعم الاستقرار العالمي.
اليورو والجنيه الإسترليني تحت الضغط
استقر اليورو قرب مستوى 1.1716 دولار دون تغيرات كبيرة خلال تعاملات الخميس، لكنه يتجه نحو تسجيل أكبر خسارة أسبوعية له في نحو شهرين، مع استمرار قوة الدولار الأمريكي.
أما الجنيه الإسترليني فقد تم تداوله عند 1.3527 دولار، متجهاً نحو انخفاض أسبوعي يقارب 0.8%، متأثراً بحالة الاضطراب السياسي في بريطانيا إلى جانب الضغوط الناتجة عن قوة الدولار وارتفاع العوائد الأمريكية.
وتشير هذه التحركات إلى أن الأسواق تفضل حالياً الاحتفاظ بالدولار مقارنة بالعملات الرئيسية الأخرى، خاصة في ظل اتساع فجوة العوائد بين الولايات المتحدة والاقتصادات المتقدمة الأخرى.
الين الياباني يترقب التدخل الحكومي
تراجع الدولار بشكل طفيف أمام الين الياباني إلى 157.83 ين، إلا أن الأسواق لا تزال في حالة تأهب تحسباً لأي تدخل محتمل من السلطات اليابانية لدعم العملة المحلية.
ويتعرض الين لضغوط قوية منذ أشهر نتيجة الفجوة الكبيرة بين السياسة النقدية اليابانية شديدة التيسير والسياسات النقدية المتشددة في الولايات المتحدة وأوروبا، ما أدى إلى استمرار ضعف العملة اليابانية أمام الدولار.
وتتابع الأسواق عن كثب أي إشارات من وزارة المالية اليابانية أو بنك اليابان بشأن إمكانية التدخل المباشر في سوق الصرف للحد من التراجعات الحادة للين.
الدولار الأسترالي يواصل مكاسبه بدعم توقعات التشديد
في المقابل، اقترب الدولار الأسترالي من أعلى مستوياته في أربع سنوات ليستقر قرب 0.7255 دولار أمريكي، مدعوماً بتوقعات استمرار التشديد النقدي من جانب البنك المركزي الأسترالي.
ويعكس الأداء القوي للعملة الأسترالية توقعات الأسواق ببقاء معدلات الفائدة مرتفعة في أستراليا لفترة أطول، خصوصاً مع استمرار الضغوط التضخمية وتحسن البيانات الاقتصادية المحلية.
أما الدولار النيوزيلندي فتراجع بشكل طفيف إلى 0.5933 دولار أمريكي وسط تداولات حذرة في أسواق العملات العالمية.
الأسواق بين التضخم والجغرافيا السياسية
تكشف التحركات الحالية في أسواق العملات عن حالة معقدة تجمع بين تأثيرات السياسة النقدية والتوترات الجيوسياسية في آن واحد. فمن جهة، يؤدي ارتفاع التضخم الأمريكي إلى دعم الدولار عبر رفع توقعات الفائدة والعوائد، ومن جهة أخرى تدفع المخاطر الجيوسياسية المستثمرين نحو الأصول الآمنة.
وفي ظل استمرار هذه العوامل، يبدو أن الدولار سيحافظ على قوته خلال المدى القريب، خاصة إذا استمرت بيانات التضخم الأمريكية في تجاوز التوقعات، أو إذا تصاعدت التوترات الجيوسياسية العالمية بصورة أكبر.