ارتفاع الدولار وعوائد السندات وسط مخاوف التضخم والحرب التجارية والعملات الرئيسية تتراجع
ارتفع الدولار الأمريكي خلال تعاملات الجمعة، مدعوماً بصعود عوائد سندات الخزانة الأميركية، ليظل قريباً من أعلى مستوياته في 40 عاماً أمام الين الياباني. وجاء هذا الأداء في ظل ارتفاع أسعار النفط، وتجدد التوترات التجارية العالمية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهي عوامل عززت المخاوف من عودة الضغوط التضخمية وتشديد الأوضاع المالية عالمياً.
وفي الوقت الذي تعرض فيه اليورو والجنيه الإسترليني لمزيد من الضغوط، استمر المستثمرون في شراء الدولار باعتباره الملاذ الاستثماري المفضل، وسط ترقب سلسلة من قرارات البنوك المركزية الكبرى خلال الأسبوع المقبل، وفي مقدمتها قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
مؤشر الدولار يقترب من أعلى مستوى في ثلاثة أسابيع
سجل مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من العملات الرئيسية، مستوى 101.21 خلال تعاملات الجمعة، قبل أن يستقر عند 101.41، بالقرب من أعلى مستوياته المسجلة في ثلاثة أسابيع.
وتلقى الدولار دعماً قوياً من ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، بعدما دفعت الاضطرابات الجديدة في الشرق الأوسط وتصاعد التوترات التجارية المستثمرين إلى إعادة تقييم مسار التضخم والسياسة النقدية في الولايات المتحدة.
الجنيه الإسترليني قرب أدنى مستوى في ثلاثة أسابيع
استقر الجنيه الإسترليني خلال التعاملات الآسيوية بالقرب من أدنى مستوياته في ثلاثة أسابيع عند 1.3310 دولار، بعدما تراجع بنحو 0.5% أمام الدولار في الجلسة السابقة.
ويعكس هذا الأداء استمرار قوة العملة الأميركية، بالتزامن مع تزايد المخاوف بشأن تأثير ارتفاع أسعار النفط والرسوم الجمركية الجديدة في مستويات التضخم العالمية.
اليورو يواصل خسائره رغم توقعات رفع الفائدة
واصل اليورو خسائره ليتداول عند مستوى 1.1381 دولار، رغم تزايد توقعات الأسواق بإقدام البنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة قريباً، بعدما قرر تثبيتها خلال اجتماعه أمس.
ولم تتمكن هذه التوقعات من توفير دعم كافٍ للعملة الأوروبية أمام الدولار، في ظل اتساع جاذبية الأصول الأميركية وارتفاع عوائد سندات الخزانة إلى مستويات جديدة.
الدولار يواصل الضغط على الين الياباني
واصل الدولار الأمريكي الضغط على الين، الذي بقي قريباً من أدنى مستوياته في 40 عاماً، مسجلاً 163.70 ين للدولار عند الساعة 12:00 بتوقيت تركيا.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد حذرت، يوم الخميس، من التقلبات المفرطة في سعر الين، ودعت بنك اليابان إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة.
وتتجه العملة اليابانية نحو تكبد ثالث خسارة أسبوعية على التوالي، والأكبر خلال شهرين، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتركيز المستثمرين على شراء الدولار الأمريكي باعتباره الملاذ الاستثماري المفضل.
الين يتراجع 0.85% خلال الأسبوع
على مدار تعاملات الأسبوع، التي تنتهي رسمياً عند تسوية الأسعار اليوم، تراجع الين الياباني حتى الآن بنسبة 0.85% أمام الدولار الأمريكي.
وبذلك، تتجه العملة اليابانية نحو تسجيل خسارتها الأسبوعية الثالثة على التوالي، فضلاً عن تكبد أكبر خسارة أسبوعية منذ مايو الماضي.
التضخم الأساسي في اليابان يتسارع خلال يونيو
أظهرت البيانات الصادرة اليوم في طوكيو تسارع معدل التضخم الأساسي في اليابان خلال يونيو، لكنه لا يزال دون المستوى المستهدف لبنك اليابان على المدى المتوسط، ما يدعم توقعات الأسواق بإبقاء أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماع الأسبوع المقبل.
وارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي في اليابان بنسبة 1.6% خلال يونيو، بما يتوافق مع توقعات السوق، مقارنة بارتفاع بلغ 1.4% في مايو، وهو أدنى معدل كان قد يسجله المؤشر منذ مارس 2022.
التضخم دون مستهدف بنك اليابان للشهر الخامس
على الرغم من تسارع التضخم الأساسي، فإنه ظل دون مستهدف بنك اليابان البالغ 2% للشهر الخامس على التوالي.
ويشير ذلك إلى أن الشركات اليابانية لم تنقل بعدُ الزيادة في تكاليف المدخلات إلى المستهلكين بصورة كاملة، الأمر الذي يقلل الضغوط المباشرة على البنك المركزي لاتخاذ خطوة نقدية أكثر تشدداً خلال اجتماعه المقبل.
ارتفاع الدولارين الأسترالي والنيوزيلندي
في أسواق العملات الأخرى، ارتفع الدولار الأسترالي بنسبة 0.14% إلى 0.6978 دولار، بعدما تراجع بأكثر من 0.4% خلال الجلسة السابقة.
كما صعد الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.1% إلى 0.5778 دولار، عقب انخفاضه بنسبة 0.8% خلال تعاملات الخميس.
وجاء التعافي المحدود للعملتين بعد الخسائر المسجلة في الجلسة السابقة، إلا أن قوة الدولار الأمريكي واستمرار القلق بشأن التضخم والتوترات الجيوسياسية ظلا عاملين ضاغطين على معظم العملات الرئيسية.
ترامب يتوعد إيران والحوثيين بعقاب عسكري كبير
في الوقت نفسه، توعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران وحلفاءها من الحوثيين بـ«عقاب عسكري كبير»، ما عزز المخاوف بشأن إمكانية اتساع نطاق المواجهة في الشرق الأوسط وانعكاس ذلك على إمدادات الطاقة وأسعار النفط العالمية.
ويرى المستثمرون أن أي تصعيد إضافي قد يدفع أسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع، بما يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية ويؤثر في قرارات البنوك المركزية الكبرى بشأن أسعار الفائدة.
رسوم جمركية أميركية جديدة على 60 شريكاً تجارياً
بالتزامن مع التصعيد الجيوسياسي، أعلنت الإدارة الأميركية فرض رسوم جمركية جديدة تتراوح بين 10% و12.5% على واردات من 60 شريكاً تجارياً، على خلفية اتهامات بعدم تطبيق حظر العمل القسري بصورة كافية.
وجاء الإعلان مع انتهاء العمل بالتعريفة الجمركية العالمية المؤقتة البالغة 10%، ما أعاد المخاوف من تصاعد الحرب التجارية العالمية وانعكاساتها المحتملة على الأسعار وسلاسل الإمداد والنمو الاقتصادي.
الاقتصاد العالمي يواجه صدمة مزدوجة
قال فيشنو فاراثان، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في ميزوهو، إن العالم يواجه صدمة مزدوجة تتمثل في الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار النفط.
وأوضح فاراثان أن النفط يشبه في تأثيره ضريبة إضافية على الاقتصاد، في حين تؤدي الرسوم التجارية إلى صدمة سعرية جديدة.
وأضاف أن الأسواق أصبحت أكثر قدرة على توقع أسلوب ترامب في استخدام الرسوم الجمركية، لكنه أشار إلى أن التصعيد العسكري مع إيران والحوثيين يحمل تداعيات يصعب التراجع عنها.
عوائد سندات الخزانة الأميركية تسجل مستويات مرتفعة
أدت الاضطرابات الجديدة في الشرق الأوسط وتصاعد التوترات التجارية إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، مع تنامي المخاوف من عودة التضخم.
وصعد العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوى له في أكثر من 18 شهراً، متجاوزاً مستوى 4.7%.
كما استقر العائد على السندات الأميركية لأجل 30 عاماً فوق مستوى 5%، بينما بلغ العائد على السندات لأجل عامين أعلى مستوياته منذ فبراير 2025 عند 4.3627%.
هل تصل عوائد السندات طويلة الأجل إلى 6%؟
قال فاراثان إن التساؤلات بشأن إمكانية وصول العائد على سندات الخزانة لأجل 30 عاماً إلى مستوى 6% لم تعد بعيدة عن الواقع.
وأضاف أن وصول العائد على السندات لأجل عشر سنوات إلى مستوى 5% أصبح احتمالاً يراهن عليه المستثمرون بصورة متزايدة، بدلاً من كونه مجرد مصدر قلق للأسواق.
وتعكس هذه التوقعات تصاعد المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية، الأمر الذي قد يجبر مجلس الاحتياطي الفيدرالي على الحفاظ على سياسة نقدية مشددة لفترة أطول.
الأسواق تترقب قرارات البنوك المركزية الكبرى
يترقب المستثمرون خلال الأسبوع المقبل سلسلة من قرارات البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي يواجه ضغوطاً متزايدة بسبب عودة التضخم، رغم تقليصه خلال الفترة الأخيرة توجيهاته المستقبلية بشأن السياسة النقدية.
ويكتسب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي أهمية خاصة في ضوء ارتفاع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة، إلى جانب التداعيات التضخمية المحتملة للرسوم الجمركية الأميركية الجديدة.
تقليص التوجيهات المستقبلية يشدد الأوضاع المالية
قال ليونارد كوان، مدير محافظ الدخل الثابت في شركة تي رو برايس، إن تقليص التوجيهات المستقبلية يمثل في حد ذاته تشديداً للأوضاع المالية، حتى من دون رفع أسعار الفائدة.
وأوضح أن تقليص هذه التوجيهات يزيد حالة عدم اليقين في الأسواق، كما يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي مرونة أكبر للتحرك في أي اتجاه وفقاً لتطور البيانات الاقتصادية والتضخم.
وأضاف كوان أن هذا النهج يعني أيضاً ارتفاع احتمالات تقلب الأسواق مع كل اجتماع يعقده البنك المركزي الأميركي، نظراً إلى تراجع وضوح المسار المستقبلي للسياسة النقدية.
خاتمة
يواصل الدولار الأمريكي الاستفادة من ارتفاع عوائد سندات الخزانة وتزايد الطلب على الأصول الآمنة، في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية مزيجاً معقداً من المخاطر الجيوسياسية والتجارية والتضخمية.
وبينما يقترب الين الياباني من أدنى مستوياته في أربعة عقود، يتعرض كل من اليورو والجنيه الإسترليني لضغوط متزايدة أمام العملة الأميركية. وستظل تحركات العملات والسندات خلال الفترة المقبلة مرتبطة بتطور المواجهة مع إيران والحوثيين، وتداعيات الرسوم الجمركية الجديدة، إلى جانب قرارات البنوك المركزية الكبرى، ولا سيما مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.